وترجَّل الفارس - أحمد ياسين(*)
الحمد لله قدّر الأمورَ وقضاها، وعلى ما سبَق علمه بها أمضاها، وكما قدَّر مبدأها قدّر منتهاها، أحمده سبحانه عزّ ربًّا وجلَّ إلهًا. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، أظهر الأدلة على وحدانيته وجلاَّها، وتوعَّد أهلَ الإجرام بالنّار ولظاها، فاللهمَّ إنّا نبرأ إليك من قلوب خلت من هداها، وأُشرِبَت ضلالها وهواها، وبلغت من الشرور منتهاها، وأشهد أن نبيّنا محمدًا عبد الله ورسوله خير البريّة وأزكاها، وأفضل الإنسانية شرفًا وجاهًا، المبعوث إلى جميع البشرية أدناها وأقصاها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أعلام تقواها وبدور دجاها، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم ـ يا ربّ ـ تسليمًا كثيرًا.
يا أحمدُ الياسين، كنتَ مفوَّهاً *** بالصمت، كان الصَّمْتُ منكَ بيانا
ما كنتَ إلا همّةً وعزيمةً *** وشموخَ صبرٍ أعجز العدوانا
فرحي بِنَيْلِ مُناك يمزج دمعتي *** ببشارتي ويُخفَّف الأحزانا
وثَّقْتَ باللهِ اتصالك حينما *** صلَّيْتَ فجرك تطلب الغفرانا
وتَلَوْتَ آياتِ الكتاب مرتّلاً *** متأمِّلاً تتدبَّر القرآنا
ووضعت جبهتك الكريمةَ ساجداً *** إنَّ السجود ليرفع الإنسانا
وخرجتَ يَتْبَعُكَ الأحبَّة، ما دروا *** أنَّ الفراق من الأحبة حانا
كرسيُّكَ المتحرِّك اختصر المدى *** وطوى بك الآفاق والأزمانا
علَّمتَه معنى الإِباءِ، فلم يكن *** مثل الكراسي الراجفاتِ هَوانا
معك استلذَّ الموتَ، صار وفاؤه *** مَثَلاً، وصار إِباؤه عنوانا
أشلاءُ كرسيِّ البطولةِ شاهدٌ *** عَدْلٌ يُدين الغادرَ الخوَّانا
أحمد ياسين لكم ذكرتنا عمر المختار، ولكن عمر -رغم شيخوخته- كان صحيحا واقفا بسلاحه في وجه الإرهاب الإيطالي، ولما أسرته إيطاليا أسدا شرسا بلحيته البيضاء الجليلة حركت قصته العالم الحر كله، وأحيت الموات، واليوم انصبت عليك نيران الإرهاب، نيران الجبناء. وكما حدث للمختار اختارك الله للشهادة، لتكون خير نهاية لخير بداية.
وكما فعلوا معه ووصف فعلتهم شاعرنا “نصبوا رفاتك في الرمال لواء يستنهض الوادي صباح مساء” فقد نصبوا في غزة مقتلك نصبا للحرية، نصبوا راية المشلول لتستنهض الأصحاء، ولتشعل النيران على الجائرين، ولتحرك الخاملين، وتدمر الخائنين.
أحمد ياسين تتجلى فيه همة الرجل، رغم أنه مقعد مشلول، له كل عذر أن يسكت وينعزل، ويهرب من مواجهة الجائر عليه وتحدي الظالم، ولكن كانت له إرادة كالجبال، إرادة فقدها أولئك الذين يمكنهم أن يتحلوا بكل السمات والمزايا، أصحاء أغنياء آمنون مترفون متنفذون، ولكن نقصتهم همة الرجال. كان أولى بهم أن يستمعوا دائما لخطبة علي رضي الله عنه يخاطب هذا الجنس دائما: “أشباه الرجال ولا رجال، وطغام الأحلام وعقول ربات الحجال”شر ما يفقد الرجل أن يفقد بأسه، وخسارته -عندما يفقد بأسه- لا عزاء لها.
لقد رسم الطريق، ووضع المعالم، وأحرج الجميع، أحرج العجزة القعدة مشلولي الكرامة، صحاح الأجسام عليلي الهمم.
رحمك الله.. فربما لا يملك كثير من القعدة المشلولين إلا أن يقولوا رحمك الله، ونصر قضيتك..
بعد صلاة الفجر من يوم الاثنين الماضي أقدمت دولة الجبن دولة الغربان على غلطة من أشنع غلطاتها في حق البشرية فاغتالت روح المقاومة وصقرا من صقورها ظنا منها أنها إن قضت على أصحاب الحق قضت عليه ، وما درت أنها بفعلها ذلك خلدته إلى الأبد وصار مقتله رصيدا باقيا في حساب المقاومة:
كنتُ أدرِي
قبل هذا الفجر أنّ البحر لا يروي العطاشا
لم أكن أجهلُ
أن القدس لن يسرقها شذاذُ بولندا وقطعان الفلاشا
لم يفاجئني
ولا حَيَّر فكري
سَهَرُ الأوباشِ مِن جُندٍ وقاده..
شَحْنُهم أجوافَهم بالحقد والغدرِ
وأجوافَ الأباشياتِ
بالشر الذي يَصنَع عُشَّاقُ الإبادة..
حَشدُهم خبراتهم في قتلهم للأنبياءْ..
كونُهم جابوا بلا عقلٍ
ولا قلبٍ
ولا شبه حياءْ..
قتلُهم شيخا معاقاً
وجدوا في بيته المحزون قرآناً
وإبريقَ وضوءٍ
ودواءْ..
أَنَّهم جاءوا لكي يعطوا الشهادة
طالباً مجتهداً
كم طلبَ الفردوسَ في ليلةِ قَدْرِ
لكِنِ الشيءُ الذي أوقفَ شَعْري
ذلك الصقرُ الذي أذهلني هذا الصباحْ
فعلى عينيهِ قد شُدّ قِناعٌ
وله نصف جناحْ
وبه جوعٌ
وإعياءٌوآثارُ جراحْ
فإذا حَرَّكَ رأساً
حَرَّكَ الغابَ
وراحْ
ينشرُ الصدمةَ في الغربانِ
في عفويةِ الواثقِ
والغربانُ لا تبرح في نوبةِ ذُعْرِ
سوف أبقى
طول عمري
ذاكراً مملكة الغربانِ
تهتزُّ لدى لمحةِ صَقْرِ
وسيبقى..
فجرُ هذا اليوم في نفسيَ أقوى أثراً من ألف فجرِ
أجل .. مقتله رصيد، وكم من قتيل لا رصيد لمقتله إلا عبرة الموت مع عاقبة الظلم أو تسفل الغاية !!
لقد أقام “المقعد” - وأنعم به من مقعد - الحجةَ على الأصحاء، وقطع الأعذار عن المنتسبين للأعذار، وهو الذي لو لزم بيته لباركه قول الله تعال: ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة:91) .
يا حسرة على كلماتنا تلك نكتبها آمنين مستريحين قد لا تتجاوز أوراقنا، بجانب كلمات يكتبها الاستشهاديون بدمائهم تفعل فعلها بالنفوس.
أجل .. مقتله رصيد؛ إذ تُوِج عطاؤه وتفانيه بتاج الوقار، وكتب بدمه وأشلائه برهان اليقين، وسطر بقلبه وروحه خطة الطريق .. طريق من شهد لهم القرآن: ( منَ المُؤْمِنينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (الأحزاب: من الآية23) .. كذلك نحسبك – ياسين- والله حسيبك.
ومثل هذا الطراز من الناس، وذاك النوع من العظماء يصنع التاريخ ميتاً كما صنعه حياً، ويكتب أحداث الدهر ممهورة بتوقيعه، فإنه لا يوقعها إلا بدماءِ مِيتة هي الحياة .
تدفقت دماء ياسين الطاهرة على أرض الإسراء وتناثرت أشلاؤه فيها .. وبكته الأمة بدموع لاتجف..دفقة من دماء .. وبركة من دموع … فشتان شتان .. .. ولا يوزن الدم إلا بالدم ، ولا يكافآ دم الشهيد إلا بالجنان .فلتبك يا أمتي ما شئت وما طاوعتك غدد العيون، ابك وفجري الدمع من بين انفطارات القلوب ، ولن تبلغ الأحزان مراقي الصدق إلا أن تقابلي أسبابها مثلاً بمثل .
ابك يا أمتي لا “أحمد ياسين”؛ فإنا نحسبه حيث يرجو الصادقون، ولكن ابك أن لا يكون فينا من لا يثأر له، ومن لا يجعل دمه دمدمة، وأشلاءه قاذفات .
ابك يا أمتي لا “أحمد ياسين” ؛ فإنه قد وافى على ما عاهدنا عليه ، وكذلك نحب لأبطالنا ، ولكن ابك من نكص على عقبيه وخان من الأمانة ما وكل إليه .
ابك يا أمتي لا “أحمد ياسين” ؛ فلعله يطأ الآن بعرجته الجنة، ولكن ابك عرجة من تلمسنا عنده الاستقامة فافتقدناها.
ابك يا أمتي لا “أحمد ياسين” ؛ فإنه كان على رأس النفير -وهو “القعيد”- ولكن ابك من رضوا أن يكونوا مع القواعد ممن لا عذر لهم ولا تبرير .
ابك يا أمتي لا “أحمد ياسين”؛ فإنه قال ففعل، ووعد فصدق، وعاهد فوفى، وطلب الشهادة فنالها (نحسبه كذلك والله حسيبه)، ولكن ابك من يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، ويعدون فيخلفون، ويعاهدون فيغدرون .. ولا يطلبون الشهادة إلا ادعاء وتدجيلاً ( مجرد تصريحات وشعارات ) هذا إن طلبوها !!
ثمّ لا تبك ..
ثم لا تبك - يا أمتي - إن كان فيك مثل فقيدنا، ولا يزالون فيك .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على أبواب دمشقَ وما حولَه، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله.. ” الحديث.
ولا تبك - يا أمتي - ولا تزال طائفتك تلك منصورة .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تزال طائفة من أمتي منصورين .. ” الحديث .وفي رواية: “قاهرين لعدوهم .. “.وفي رواية: ” يُقاتِلون عَلى الحقِّ ، ظاهرينَ على مَن ناوأهم ، حتّى يقاتل آخرُهم الدجالَ ” . مروراً بكل الدجالين من أمثال “شارون” و”بوش” و”بريمر” .
ولا تبك ـ يا أمتي ــ ولا تزال طائفتك المنصورة لا يضرها من خذلها، ولا من خالفها.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس”.
ولا تبك - يا أمتي- إلا بكاء تائب إلى الله منيب، أو خاشع بين يديه، أو داعٍ متوسل إليه …أو إلا بكاء مشفق مترحم، ولخطى الشهداء مترسم، وعلى تأخر الشهادة حزين ..تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك - يا ياسين - لمحزونون.
يا أحمدُ الياسين، إن ودَّعتنا *** فلقد تركت الصِّدق والإيمانا
أنا إنْ بكيتُ فإنما أبكي على *** مليارنا لمَّا غدوا قُطْعانا
أبكي على هذا الشَّتاتِ لأمتي *** أبكي الخلافَ المُرَّ، والأضغانا
أبكي ولي أمل كبيرٌ أن أرى *** في أمتي من يكسر الأوثانا
يا فارس الكرسيِّ، وجهُكَ لم يكنْ *** إلاَّ ربيعاً بالهدى مُزدانا
في شعر لحيتك الكريمة صورةٌ *** للفجر حين يبشِّر الأكوانا
فرحتْ بك الحورُ الحسانُ كأنني *** بك عندهنَّ مغرِّداً جَذْلانا
قدَّمْت في الدنيا المهور وربما *** بشموخ صبرك قد عقدتَ قِرانا
هذا رجائي يا ابنَ ياسينَ الذي *** شيَّدتُ في قلبي له بنيانا
اللهم اغفر لفيقدنا وتغمده بواسع الرحمه وتقبله في الشهداء ، واجمعنا به في جنات النعيم.
*** ***
الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له ، جعل العاقبة للمتقين ، وأشهد أن سيدنا ونبينا الصادق الأمين صلوات ربي وسلامه عليه ماتنزلت الرحمات على المؤمنين وتوالت النكبات على المجرمين ، أما بعد :
انطلاقا من قول الله جل وعلا (لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) فإننا نتلمس انبلاج الفجر بين دركات الظلام ، ونبصر المنحة في المحنة ، ونرى الخير في المصائب والأحزان .
أيها المسلمون:إسرائيل تدرك أهمية المجازر وإقامتها، فهي تحيى بالقتل والذعر والإرهاب، الصهاينة يحبون أن يغتالوا الأحرار لأنهم جبناء، دخلاء، مرتزقة تجسس وغدر وخبث. سرطان يفتك بالعالم اليوم، يدركون خبث سيرتهم ومآل عملهم. فيكثرون من الجرائم لإسكات صوت الحق والحرية. وسيعلمون أي منقلب ينقلبون.
وربما كان حتف امرئ فيما تمناه، وربما حتف شارون ومن ورائه الكيان الصهيوني فيما خطط له من تصفية لرموز المقاومة.ومن سفاهة وسخافة الكيان العنصري الإجرامي، اعتماده شبه الكلي وارتهانه وربط مصيره بتصفية أصحاب الحق غير واع بأن الحق لا يموت وأن أهله لا يغيبون بالجملة، وإن في موت الشرفاء حياة لأفكارهم ومشروعهم، ومازالت الجرائم تفني أصحابها وتوردهم المهالك.
باغتيال الشيخ أحمد ياسين، يكون شارون قد ساهم –من حيث لا يدري- في تعزيز التلاحم في أوساط الأمة، في مواجهة الكيان الصهيوني ومظاهر اختراقه وحالات تسلله.وباغتيال رمز التحدي والمقاومة، انتقلت الأمة إلى مستوى أعمق من الاعتزاز بدينها والالتفاف حول خيار المقامة للمشروع الصهيوني.
لقد أظهرت المسيرات المنددة بجريمة الاغتيال، جانبا من جوانب وعي الأمة ومظهرا من مظاهر وحدة الشعور والترابط وهذا في حد ذاته “مغنما” عزيزا.
إن في قتل الشيخ أحمد ياسين رسالة تجبر الجميع على قراءتها، بل واعتناق ما جاء فيها من أفكار، أن حمى الحوار التي استشرت في نفوس كثير من المسلمين، بل الدعاة منهم، قد وطأتها أحذية اليهود القذرة فأزهقت روحها بصورة مذلة مهينة، إذ كيف ستنظر الجموع المسلمة لمن يصافح بالغد يد بوش فضلا عن أن يصافح يد شارون… كيف ستسقبل الجماهير المسلمة قادتها الذين لطخت أيدهم بأوساخ الخيانة والتآمر …
وثمة أمر آخر لمن تأمله ووعاه : لقد برز من الإسلاميين على وجه العموم، “نجوم” إعلامية، فأن تحتل صور الشيخ أحمد ياسين الصفحات الأولى من الصحف العربية، والأجنبية، وشاشات التلفزة، ويتصدر خبر نبأ اغتياله نشرات الأخبار كلها، جعل منه نجما يستهوي ميول الشباب الطالح منهم قبل الصالح …
الحمدلله فلم تعد النجومية مقتصرة –كما أرادت الماسونية والصهيونية العالمية - على مغن ماجن، أو ممثل فاجر،
أولاء: تنضح وجوهمم بعلامات الفسق,,,أما نجومنا، فتنضح وجوههم بالإيمان ما بين لحى كثة، وهيئة رثة، نجوم الإعلام الحق هم ياسين، وعياش، وغيرهم …. سبب نجوميتهم ؟ أنهم كانوا قادة الجهاد في سبيل الله … تلك وربِّ نعمةٌ، وأي نعمة.
وإن في الحدث الكثير من الآيات والعبر مالايتسع المقام لبسطه ، والموفق من تأمل وتدبر .. واعتبر وتفكر .اللهم أعز الإسلام والمسلمين ..
=========
(*) جامع روضة الحسو - محافظة المذنب.











ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق